المؤتمر العلمي الثاني للشريعة والاجتهاد.. تفاؤل بمستقبل أمة

0

المفكر الإسلامي د. أبوسليمان: قفل باب “الاجتهاد” يدل على انهيار الأمة الإسلامية

أوغلو: نحتاج إلى كوادر مؤهلة تؤسس جسوراً للتواصل بين تركيا والبلدان العربية والإسلامية

رصد/ راشد حامد عبد الله     عدسة/ الريح جكسا

اختتم المؤتمر العلمي الثاني للشريعة والاجتهاد أعماله بقاعة المؤتمرات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العشرين من852 مايو 2016م، وأصدر بيانه الختامي بحضور قادة الفكر الإسلامي، وعدد كبير من العلماء الذين كان لهم إسهام كبير في خدمة العلم وطلابه.

كان المؤتمر الذي شرف جلسته الافتتاحية د. حسبو محمد عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية، والبروفيسور سمية أبو كشوة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي، قد ناقش ما لا يقل عن (40) ورقة علمية حول تحديات إقامة الدين، وتطبيق الشريعة في المجتمعات المعاصرة بمشاركة مجموعة من الباحثين من دول المغرب، والسعودية، وماليزيا، وتركيا، ومصر، ومن بلدان إسلامية أخرى.

وسعت جلسات المؤتمر، نحو إظهار الرؤية الشاملة لإقامة الدين، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتوظيف الرؤية الكلية في توليد إطار تقويمي، وتصحيح المفاهيم السائدة حول مفهوم إقامة الدين، والتبصير بالتحديات والمعوقات التي يمكن أن تواجه التطبيق المعاصر للشريعة الإسلامية، بجانب عرض التجارب الواقعية لتطبيق الشريعة.

وجاء انعقاد المؤتمر، انطلاقاً من الأهداف والخطط، والبرامج الأكاديمية، والبحثية الإستراتيجية، والمقاصد المعرفية، والعلمية، والفكرية الإسلامية المتأسسة على أهداف معهد إسلام المعرفة (إمام) بجامعة الجزيرة، وإنتاج معرفة منهجية تقوم على الوحي، والكون، والإنسان، والعمل على تأصيل العلوم الاجتماعية، والطبيعية، والتقنية المعاصرة، والتواصل مع التراث المعرفي الإسلامي.

واستند المعهد في ذلك على مساحة ربع قرن من الاجتهاد، والحضور المتقد، والعطاء الثر في مجال البحث العلمي، وطموحاً نحو التجويد، ومزيداً من الإنتاج المعرفي، والإبداع الفكري في شتى مجالاته.

** توصيات المؤتمر

وركزت جل توصيات الباحثين، على اعتماد الفكر، والاجتهاد المقاصدي، وإضافته لكتب التربية الإسلامية كمصدر أصيل في بيانDSC_2548 سماحة الشريعة الإسلامية وشمولها، وترسيخ مبدأ الوسطية لدى الناشئة وفق مبادئ الشرع، وتوسيع وتعميق الدعوة للاجتهاد، وفهم الأصول وفق محددات القرآن الكريم، بجانب استثمار، وتوظيف التجربة التركية في تطوير الأدوات الأصولية، والمقاصدية وذلك بالتركيز على الرأي، والتأويل، والمقاصد.

وأكد البيان الختامي أهمية الوعي بمفهوم حاكمية الدين، ودوره المحوري في الحياة، وأن يصبح هو الحاكم، والموجه، والمحدد لأهداف المال، وحركة المسلم في كل أوجه النشاط الاقتصادي بما يؤدي لإشباع الحاجات الأساسية لكل أفراد المجتمع، ويحفظ المصالح الضرورية الخمس.

وأوصى البيان الختامي بإنشاء مؤسسة علمية بحثية عالمية تختص بوضع تصور كامل، وشامل لمشروع تطبيق الشريعة الإسلامية بما يتوافق مع متطلبات العصر، وتشجيع تولي المرأة- صاحبة الكفاءة العلمية- الفتوى، وإتاحة الفرصة لها للمشاركة في المجامع الفقهية بما يؤدي لتوسيع نطاق الاجتهاد.

كما أوصى البيان الختامي بالتركيز على دراسة، ومراجعة آليات اشتغال الفكر، والخطاب، والفقه الديني، ونقلها بروح تجديدية عصرية، وباجتهاد منفتح على روح العصر وذلك لتطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة الدين.

ولفت البيان إلى أن التشابه الذي يصل إلى حد التطابق بين مقاصد الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، يشكل جسراً جيداً لكي يلعب المجتمع المدني دوره في إقامة الدين كمكمِّل لسلطة الدولة وذلك عبر نشر الوعي الديني، ومنظومة القيم الأخلاقية السمحة.

ودعت التوصيات لتأسيس مركز، أو قسم داخل معهد إسلام المعرفة (إمام) يكون مخصصاً للدراسات المنهجية في مجالات الفلسفة المعاصرة، والفكر العالمي، والتخطيط الإستراتيجي، بجانب تعزيز الشراكة بين جامعة الجزيرة، والمعهد، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، والإعلان عن منحة لطلاب الدراسات العليا في مجال إسلام المعرفة مقدمة من الجامعة العالمية الإسلامية، ومؤسسات إسلام المعرفة لدعم، وتطوير، ونشر مشروع إسلام المعرفة.

كما دعت التوصيات لأن تكون المنابر العملية مختبراً بحثياً مفتوحاً لرفد، وتطوير الدراسات والبحوث في القضايا العلمية، والمعرفية في كل منبر وذلك في إطار تخصصي تأكيداً وترسيخاً لمبادئ ومناهج إسلامية المعرفة، ودعماً لمشروع تطبيق الشريعة.

** الاجتهاد باب لا يقفل

شكل المؤتمر العلمي الثاني للشريعة والاجتهاد، فرصة طيبة تعرف فيها علماء أجلاء على المجتمع السوداني، ولمسوا فيه روح6548 الإخاء والمودة كما أشار لذلك د. عبد الحميد أبو سليمان مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي خلال مخاطبته الجلسة الختامية.

ومن وجهة نظر د. أبوسليمان، فإن الأمر كبير بالنسبة لجامعة الجزيرة، والسودان، بأن يؤدوا خدمة فهم الإسلام، وتطبيقه، وقيام نموذج يحتذى. ولم يتردد د. أبو سليمان في القول بأنه تعلم كثيراً من الأوراق العلمية، والنقاش، والقضايا التي أثيرت خلال جلسات المؤتمر، متنمنياً أن يتواصل هذا الجهاد على حد تعبيره.

كان د. أبو سليمان قد أكد أن الاجتهاد باب لا يقفل، مضيفاً: أن قفل باب الاجتهاد يدل على انهيار الأمة الإسلامية. وتابع: قضية الاجتهاد وقفل بابه يدل عليه حال العالم الإسلامي، وصورة الإسلام، وممارسات المسلمين لدينهم ما يتطلب مراجعة قوية للنفس، معيداً التأكيد بأن الاجتهاد قضية لا تنتهي.

وشدد أبو سليمان، على ضرورة أن يضطلع المفكرون بمسؤولياتهم تجاه توضيح الاجتهاد، وإصلاح حال الأمة، مشيراً إلى أن ثوابت القرآن تعتمد في تطبيقها على الزمان والمكان. وأرجع هزيمة الأمة الإسلامية وقدرتها على التفكير، إلى قيام الدول القبلية، وتمكن الاستبداد والفساد.

وقال أبو سليمان، إن الفكر الإسلامي يحتاج لإعادة نظر ومراجعة، داعياً للفصل بين الدعوة والعمل السياسي. منوهاً لضرورة إعادة النظر في فهم المفاهيم الإسلامية وتوضيحها، وأن تستمد التربية والتعليم روحها من الإسلام.

وذهب لضرورة الوصول لرؤية كونية تبنى على المفاهيم الإسلامية، لافتاً إلى أن إشكالية النظام المعرفي تتمثل في كيفية فهم الإسلام، وتصحيح المفاهيم الخاصة به.

** الشريعة مناط التطبيق

وجاء تنظيم المؤتمر في مرحلة مهمة من تاريخ الأمة الإسلامية، وبعد مسيرة ربع قرن من العطاء العلمي، والفكري المميز لمعهد982 إسلام المعرفة (إمام) الذي عبر عميده د. محمد بابكر العوض عن أمله أن يكون المشاركون في المؤتمر قد عاشوا في ظلال الآيتين الكريمتين:

(شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) الشورى: 13

وخطاب المولى لرسوله بالقول: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية: 18

وأن يكون قد اجتمع في روعهم كما اجتمع في قلوبهم، ونقاشهم حول هذا المعنى العظيم، أن العلاقة بين شقي هذا العنوان، هي علاقة قرآنية قبل كل شيء، وأن الشريعة التي هي مناط التطبيق، لها مقصد عظيم، وهو مقصد إقامة الدين، ويقطع د. محمد بابكر بأن سبب قيام هذا المؤتمر لم يكن في لحظة من لحظات النقاش حوله سبباً دنيوياً قط، وإنما كان الحافز فيه هو الإحساس بأن السير على درب الشريعة وإقامة الدين يظل هو الهدف الموصل إلى المبتغى.

وإذا كان معهد إسلام المعرفة قد اختار بباحثيه، ومفكريه، وبتوجيه من مجلس أساتذة جامعة الجزيرة، أن يحتفي بمرور (25) عاماً على تأسيسه بأن يحي هذه الذكرى التي صادفت الإعلان الأقرب لتطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، حيث ذكرت الأوراق المقدمة، وأشارت حلقات النقاش، ومنابر الحوار، إلى أن قضية الشريعة، ظلت هي القضية الشاغلة للإنسان السوداني منذ أن ارتبط بهذه الرسالة الإسلامية.

وقد جمع المؤتمر العلمي الثاني للشريعة والاجتهاد كما ورد في حديث د. محمد بابكر العوض، بين فئتين إحداهما عظيمة، والأخرى تتوق إلى أن تكون كذلك. فالأولى هي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ولعل د. عبد الحميد أبو سليمان، قد كان صاحب الكلمة الأولى في قيام هذا المعهد، وقد ظل لوقت طويل يعمل، ويدفع، وينجز.  وقد افتقد المعهد العالمي للفكر الإسلامي، البروفيسور إسماعيل الفاروقي أول مدير للمعهد على طريق إسلام المعرفة، كما افتقد الشيخ الدكتور طع جابر العلواني رفيق درب الدكتور عبد الحميد أبو سليمان.

أما الفئة الصغيرة التي تسير على نفس المنوال، وتحاول أن تقبس من ذات المشكاة، هي معهد إسلام المعرفة الذي أسسته جامعة الجزيرة ليكون مؤسسة للبحث العلمي المتقدم، والدراسات العليا في مجال إسلام المعرفة، ويشير د. محمد بابكر هنا إلى ضرورة تذكر صاحب القلم الذي اتخذ ذلك القرار وهو البروفيسور التجاني حسن الأمين المدير الأسبق لجامعة الجزيرة والذي غادر هذه الفانية.

** تفاؤل بمستقبل الأمة الإسلامية

وبالنسبة لدكتور محمد خيري قرباش أوغلوا أستاذ الإلاهيات بجامعة انقره، الذي يزور السودان لأول مرة، فقد كان انطباعه693 الشخصي طيباً جداً عن المجتمع السوداني، والنخبة المثقفة، واعتبر نفسه قد اصطاد عصفورين بحجر واحد بمشاركته في هذا المؤتمر الذي أتاح له التعرف على كثير من الذين يحملون هموم الإسلام والمسلمين، مشيراً لنجاح المؤتمر من ناحية الشكل، والمضمون، والتنظيم.

ويرى أوغلو أن أن مستقبل الإسلامية لم يكن قوياً رغم التطورات الإيجابية التي شهدها العالم الإسلامي، غير أن أموراً كثيرة تجعله متشائماً، ولكنه لاحظ في السودان أن هنالك مجتمع مسلم له ديناميكية تتم في نشاط وحيوية، واعتبر ذلك نقطة مهمة، كما أنه وجد هذا المجتمع منفتحاً على نفسه، والعالم الخارجي، وأن أفكاره قابلة للنقاش، بجانب ما لمسه من نضج للمشاركين في المؤتمر من داخل، وخارج السودان، حيث جعلته كل هذه الأمور متفائلاً بالنسبة لمستقبل الأمة الإسلامية.

غير أن هذه الأمور قد حمَّلت د. أوغلو مسؤولية أكبر تتمثل في تطوير العلاقات بين الدول الإسلامية، في ظل خضوع (57) دولة إسلامية لأصحاب صنع القرارات، ويعتقد أن على الجماهير- الساكتة- التحرك والمشاركة في صنع القرارات المتعلقة بمستقبل الأمة الإسلامية، ويرى أن هذا الواجب يقع على عاتق النخبة المثقفة.

يقول د. أوغلو: أنا شعرت بأني تحملت مسؤولية كبيرة جداً في هذه المؤتمر، لأننا وخاصة في تركيا نعاني من حاجز اللغة، والانفتاح الضئيل على العالم العربي والإسلامي. مؤكداً حاجتهم إلى كوادر مؤهلة لتأسيس جسور من التواصل بين تركيا، والبلدان العربية والإسلامية. معبراً عن رجائه أن يمد السودان يد العون للأتراك ليكسروا حاجز اللغة؛ قبل أن يبدي أسفه الشديد على إجادة العلماء الأتراك لفهم النصوص باللغة العربية، وافتقارهم لكتابتها، والتحدث بها. ففي تركيا كما ذكر د. أوغلو لا تجد أستاذاً في الدراسات الإسلامية يتحدث العربية بطلاقة، وإن وجدوا لايتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

وبالنسبة لأوغلو فإن المؤتمر العلمي الثاني للشريعة والاجتهاد، يعتبر صفحة جديدة، وبداية مباركة لتأسيس علاقات مباشرة بين النخبة المثقفة، والعلماء، والمفكرين، وفي المستقبل الفنانون، والكتاب، والإعلاميون. وختم حديثه بالقول: (أنا متفائل جداً بعد حضوري لهذا المؤتمر).

التعليقات مغلقة.